عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
545
اللباب في علوم الكتاب
قوله : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . فإن قيل : إنه تعالى ذكر : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ مرتين ، فما فائدته ؟ . فالجواب من وجوه ، منها : أنّ الكلام الثّاني يجري مجرى التفصيل للكلام الأول ؛ لأنّ الأول فيه ذكر أخذهم ، وفي الثاني ذكر إغراقهم ، وذلك تفصيل ، ومنها : أنّه أريد بالأوّل ما نزل بهم من العقوبة في حال الموت ، وبالثاني ما ينزل بهم في القبر وفي الآخرة ، ومنها : أنّ الكلام الأول هو قوله : كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ والكلام الثاني هو قوله : كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فالأوّل إشارة إلى أنّهم أنكروا دلائل الإلهية ، والثاني إشارة إلى أنّه سبحانه ربّاهم وأنعم عليهم بالوجوه الكثيرة ، فأنكروا دلائل التربية والإحسان مع كثرتها ، وتواليها عليهم فكان الأثر اللازم من الأول الأخذ ، والأثر اللازم من الثاني هو الإهلاك والإغراق وذلك يدلّ على أنّ للكفر أثرا عظيما في حصول الإهلاك ، ومنها : أنّ الأول دأب في أن هلكوا لمّا كفروا ، وهذا دأب في أن لم يغيّر اللّه نعمتهم حتّى يغيروها هم . ومنها : قال الكرمانيّ : « يحتمل أن يكون الضمير في : « كفروا » في الآية الأولى عائدا على قريش ، والضمير في : « كذّبوا » في الثانية عائدا على آل فرعون والذين من قبلهم ، كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم ، أهلكنا بعضهم بالرجفة ، وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بالريح ، وبعضهم بالغرق ، وكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيف لما كذبوا ، وأغرقنا آل فرعون » . وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ جمع الضمير في : « كانوا » ، وجمع : « ظالمين » مراعاة لمعنى « كل » لأنّ « كلّا » متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة ، ومعناها أخرى . وإنّما اختير هنا مراعاة المعنى ؛ لأجل الفواصل ، ولو روعي اللّفظ فقيل مثلا وكلّ كان ظالما ، لم تتّفق الفواصل . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 59 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 ) قوله تعالى إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية . لمّا وصف كلّ الكفار بقوله : وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أفرد بعضهم بمزية في الشر والعناد فقال : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ أي : في حكمه وعلمه من حصلت له صفتان : الأولى : الكافر المستمر على كفره مصرّا عليه . الثانية : أن يكون ناقضا للعهد ، فقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إشارة إلى